الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
15
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الموكّلون بالحفظ المشار إليه في قوله تعالى : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً [ الجن : 8 ] . والعذاب الواصب : الدائم يقال : وصب يصب وصوبا ، إذا دام . والمعنى : أنهم يطردون في الدنيا ويحقرون ولهم عذاب دائم في الآخرة فإن الشياطين للنار فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا في سورة مريم [ 68 ] ، ويجوز أن يكون المراد عذاب القذف وأنه واصب ، أي لا ينفكّ عنهم كلما حاولوا الاستراق لأنهم مجبولون على محاولته . وجملة وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ معترضة بين الجملة المشتملة على المستثنى منه وهي جملة لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وبين الاستثناء . و مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ مستثنى من ضمير لا يَسَّمَّعُونَ فهو في محل رفع على البدلية منه . والخطف : ابتدار تناول شيء بسرعة ، و الْخَطْفَةَ المرة منه . فهو مفعول مطلق ل خَطِفَ لبيان عدد مرات المصدر ، أي خطفة واحدة ، وهو هنا مستعار للإسراع بسمع ما يستطيعون سمعه من كلام غير تام كقوله تعالى : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ في سورة البقرة [ 20 ] . و « أتبعه » بمعنى تبعه فهمزته لا تفيده تعدية ، وهي كهمزة أبان بمعنى بان . والشهاب : القبس والجمر من النار . والمراد به هنا ما يسمّى بالنيزك في اصطلاح علم الهيئة ، وتقدم في قوله : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ في سورة الحجر [ 18 ] . والثاقب : الخارق ، أي الذي يترك ثقبا في الجسم الذي يصيبه ، أي ثاقب له . وعن ابن عباس : الشهاب لا يقتل الشيطان الذي يصيبه ولكنه يحترق ويخبل ، أي يفسد قوامه فتزول خصائصه ، فإن لم يضمحل فإنه يصبح غير قادر على محاولة استراق السمع مرة أخرى ، أي إلا من تمكّن من الدنوّ إلى محل يسمع فيه كلمات من كلمات الملأ الأعلى فيردف بشهاب يثقبه فلا يرجع إلى حيث صدر ، وهذا من خصائص ما بعد البعثة المحمدية . وقد تقدم الكلام على استراق السمع عند قوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ في سورة الشعراء [ 210 ، 211 ] .